محمد هادي معرفة

155

التمهيد في علوم القرآن

وينبّه الفكر على قيمة الرحمة فيه . وذلك كلّه طبعي في بلاغة الآية كما ترى . والمراد بالثانية تصوير الفصل الذي كان بين قيام البشير بقميص يوسف وبين مجيئه ، لبعد ما كان بين يوسف وأبيه ( عليهما السّلام ) وأنّ ذلك كأنه كان منتظرا بقلق واضطراب « 1 » تؤكّدهما وتصف الطرب لمقدمه واستقراره غنّة هذه النون في الكلمة الفاصلة ، وهي : « أن » في قوله « أن جاء . . . » . وعلى هذا يجري كل ما ظنّ أنّه في القرآن مزيد ، فإنّ اعتبار الزيادة فيه وإقرارها بمعناها إنما هو نقص يجلّ القرآن عنه ، وليس يقول بذلك إلّا رجل يعتسف الكلام ويقضي فيه بغير علمه أو بعلم غيره . . . فما في القرآن حرف واحد إلّا ومعه رأي يسنح في البلاغة - من جهة نظمه ، أو دلالته ، أو وجه اختياره - بحيث يستحيل البتة أن يكون فيه موضع قلق أو حرف نافر أو جهة غير محكمة أو شيء ممّا تنفذ في نقده الصنعة الانسانية من أيّ أبواب الكلام إن وسعها منه باب . وممّا يدلّ على أن نظم القرآن مادة فوق الصنعة ومن وراء الفكر ، ولا يسعه طوق إنسان في نظم الكلام البليغ ، وكأنها صبّت على الجملة صبّا ، أنك ترى بعض الألفاظ لم يأت فيه إلّا بصيغة الجمع ولم يستعمل بصيغة الإفراد ، فإذا احتيج إلى صيغة المفرد استعمل مرادفها . كلفظة « اللبّ » لم ترد إلّا مجموعة « إنّ في ذلك لذكرى لأولي الألباب » . « ليذّكّر أولوا الألباب » ونحوهما « 2 » ولم تجىء فيه مفردة ، بل جاء مكانها « القلب » « 3 » أو « الفؤاد » « 4 » .

--> ( 1 ) ينبه على ذلك قوله تعالى قبل ذلك عن لسان يعقوب : إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ( يوسف : 94 ) . ( 2 ) في ستة عشر موضعا من القرآن جاءت اللفظة بصيغة الجمع فقط ، ولم تأت إفرادا أبدا . ( 3 ) في تسعة عشر موضعا إمّا مقطوعا أو مضافا . ( 4 ) في خمسة مواضع مقطوعا ومضافا .